عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
261
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
واللّه ، ويحك أما ترى ما أطيب رائحتها ؟ عليّ بها على حالها . فبادر الفراشون فانتزعوها من أيدي الملاحين . فلما عاين الملاحون أصحاب السفينة ما فعل بهم ذهبت نفوسهم فرقا وخوفا ، وجاؤوا المتوكل بالقدر تفور كهيئتها . فوضعت بين أيدينا . فاستطاب ريحها واستحسن لونها ودعا برغيف فكسر منه كسرة ودفعها إلي وأخذ منه مثلها . وأكل كل واحد منا ثلاث لقم ، وأقبل الندماء والمغنون فجعل يلقم كل واحد منهم لقمة من القدر . وأقبل الطعام ووضعت الموائد . فلم فرغ من أكله أمر بتلك القدر ففرغت وغسلت بين يديه . وأمر أن تملأ دراهم . فجيء ببدرة ففرغت فيها ففضل من الدراهم مقدار ألفي درهم فقال لخادم كان بين يديه خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها إلى من طبخها وما فضل من هذه البدرة من الدراهم هو هبة له على تجويده طبخها . فكان المتوكل كثيرا ما يقول إذا ذكر قدر الملاح : ما أكلت أحسن من سكباج أصحاب السفينة في ذلك اليوم « 1 » » . الأطعمة المطبوخة ووصف الشعراء لها : ومن الخلفاء الذين كانوا معجبين بشهوات المائدة والاستماع إلى ما تغنى به الشعراء في أوصاف الأطعمة من الأشعار الخليفة المستكفي باللّه . فقد نقل المسعودي عنه أنه قال لندمائه في بعض الأيام : « قد اشتهيت أن نجتمع في مكان كذا وكذا فنتذاكر أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوما . فاتفق معهم على ذلك . فلما كان اليوم الذي حضر ، أقبل المستكفي فقال : هاتوا ما الذي أعدّه كل واحد منكم . فقال واحد : قد حضرني يا أمير المؤمنين أبيات لابن المعتز يصف سلة سكارج كوامخ - وأنشد خمسة عشر بيتا - قال المستكفي : تحضر هذه الجونة « 2 » بعينها على هذا الوصف . وهاتوا فليس نأكل اليوم الا ما تصفون . فقال آخر من الجلساء : يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين الكاتب المعروف بكشاجم في صفة سلة بوارد أربعة وعشرون بيتا . فقال المستكفي : أحسنت وأحسن القائل في ما وصف . ثم أمر باحضار كل ما يجري وصفه مما يمكن احضاره . ثم قال : هاتوا من معه شيء في هذا المعنى ؟ فقال آخر : في هذا المعنى لابن الرومي في صفة وسط سبعة عشر بيتا . وقال آخر يا أمير المؤمنين لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في صفة سنبوسج خمسة عشر بيتا . فقال : آخر لمحمود بن الحسين بن السندي
--> ( 1 ) مروج الذهب للمسعودي : ج 9 - ص 130 - 131 . ( 2 ) الجونة : الخابية المطلية ، سليلة مغشاة بالآدم تكون عند العطارين .